خليل الصفدي

80

أعيان العصر وأعوان النصر

سلوك جنف « 1 » ، ولا حيف . فلهذا ما ثبت له أحد ، ولا وجد من دونه ملتحد ، وهزم جيوشا عديدة ، وفتح بلادا مساحتها مديدة . وكان قد خطر له أنه هو المهدي الذي يجيء آخر الزمان ، ويمهد الأرض ، ولما بلغ أباه ذلك ركب وجاء إليه ، ورده عن العقيدة ، واستصحبه معه إلى الأردو إلى خدمة القان بو سعيد . ولما حضر معه رأى الناس في الأردو ينزلون قريبا من خام الملك فقطع الأطناب بالسيف ، ووقف على باب خان القان ، ورمى بالطومار ، وقال : أينما ، وقع ينزل الناس على دائرته . فأعجب ذلك بو سعيد . وعاد إلى بلاد الروم حاكما . وكان واسع الكرم تحسده الغمائم فتتوقد من البوارق بالضرم لا يبالي بما أنفق ، ولا ينام وجفنه على فائت مؤرق . وكان كرمه وجوده المفرط من أسباب هلاكه ، وإيقاعه في حبائل الموت ، وأشراكه لأنه لما وصل إلى القاهرة لحقه من أمواله بالروم مائة ألف راس غنم فيما أظن أو ثمانون ألف رأس فلما ، وصلت إلى قطيا أطلق منها لبكتمر الساقي عشرين ألف رأس ، ولقوصون كذا ، ولفلان كذا ، ولفلان كذا ففرق الجميع فلم يهن هذا الأمر على الملك الناصر محمد . ودخل يوما حمام قتال السبع التي في الشارع تحت القلعة ، ولما خرج أعطى الحمامي ألف درهم ، والحارس ثلاثمائة درهم فزاد ذلك في حنق السلطان عليه . وكان حسنا شكله كأن قوامه غصن بان ، وشعره ظله إذا خطا تخطر ، وظن بقوامه أنه رمح يتأطر تعطفه نشوة الشباب ، ويظن من تثنيه أنه ارتشف بنت الحباب شكا السلطان منه ذلك إلى بعض خواصه ، وقال : أرأيت هذا التمرتاش كيف يمشي قدامي هذا إنما هو إعجاب منه بشكله ، وقده ، واستخفافا . فقال : واللّه يا خوند هكذا يدخل إلى الطهارة ، وهذه عادته أبدا . وكان السبب في دخوله إلى هذه البلاد أنه لما مات أخوه دمشق خواجا ، وهرب أبوه جوبان اجتمع هو بالأمير سيف الدين أيتمش ، وطلب الحضور إلى مصر ، وحلف له أيتمش أيمانا معظمة عن السلطان فحضر في جمع كبير ، وخرج الأمير سيف الدين تنكز نائب

--> - الصحاح : 1 / 165 ) . ( 1 ) الجنف : الميل وقد جنف من باب طرب وفيه قوله تعالى : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [ البقرة : 182 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 74 ) .